فخر الدين الرازي

447

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

متناهية ، فإذن لا بد وأن يحصل بعدها عدم أبدي غير منقض وإذا لم يكن عالما بها كان جاهلا بها والجهل على اللَّه محال وثالثها : أن الحوادث المستقبلة قابلة للزيادة والنقصان ، وكل ما كان كذلك فهو متناه والجواب : أن إمكان استمرار هذه الأشياء حاصل إلى الأبد ، والدليل عليه هو أن هذه الماهيات لو زالت إمكاناتها ، لزم أن ينقلب الممكن لذاته ممتنعا لذاته ، ولو انقلبت قدرة اللَّه من صلاحية التأثير إلى امتناع التأثير ، لانقلبت الماهيات وذلك محال ، فوجب أن يبقى هذا الإمكان أبدا ، فإذن ثبت أنه يجب انتهاء هذه المحدثات إلى العدم الصرف ، أما التمسك بالآية فسنذكر الجواب عنه بعد ذلك إن شاء اللَّه تعالى وأما الشبهة الثانية : فجوابها أنه يعلم أنه ليس لها عدد معين ، وهذا لا يكون جهلا ، إنما الجهل أن يكون له عدد معين ولا يعلمه ، أما إذا لم يكن له عدد معين وأنت تعلمه على الوجه فهذا لا يكون جهلا بل علما وأما الشبهة الثالثة : فجوابها أن الخارج منه إلى الوجود أبدا لا يكون متناهيا ، ثم إن المتكلمين لما أثبتوا إمكان بقاء العالم أبدا عولوا في بقاء الجنة والنار أبدا ، على إجماع المسلمين وظواهر الآيات ، ولا يخفى تقريرها ، وأما جمهور المسلمين الذين سلموا بقاء الجنة والنار أبدا ، فقد اختلفوا في معنى كونه تعالى آخرا على وجوه أحدها : أنه تعالى يفني جميع العالم والممكنات فيتحقق كونه آخرا ، ثم إنه يوجدها ويبقيها أبدا وثانيها : أن الموجود الذي يصح في العقل أن يكون آخرا لكل الأشياء ليس إلا هو ، فلما كانت صحة آخرية كل الأشياء مختصة به سبحانه ، لا جرم وصف بكونه آخرا وثالثها : أن الوجود منه تعالى يبتدئ ، ولا يزال ينزل وينزل حتى ينتهي إلى الموجود الأخير ، الذي كون هو مسببا لكل ما عداه ، ولا يكون سببا لشيء آخر ، فبهذا الاعتبار يكون الحق سبحانه أولا ، ثم إذا انتهى أخذ يترقى من هذا الموجود الأخير درجة فدرجة حتى ينتهي إلى آخر الترقي ، فهناك وجود الحق سبحانه ، فهو سبحانه أول في نزول الوجود منه إلى الممكنات ، آخر عند الصعود من الممكنات إليه ورابعها : أنه يميت الخلق ويبقى بعدهم ، فهو سبحانه آخر بهذا الاعتبار وخامسها : أنه أول في الوجود وآخر في الاستدلال ، لأن المقصود من جميع الاستدلالات معرفة الصانع ، وأما سائر الاستدلالات التي لا يراد منها معرفة الصانع فهي حقيرة خسيسة ، أما كونه تعالى ظاهرا وباطنا ، فاعلم أنه ظاهر بحسيب الوجود ، فإنك لا ترى شيئا من الكائنات والممكنات إلا ويكون دليلا / على وجوده وثبوته وحقيقته وبراءته عن جهات التغير على ما قررناه ، وأما كونه تعالى باطنا فمن وجوه الأول : أن كمال كونه ظاهرا سبب لكونه باطنا ، فإن هذه الشمس لو دامت على الفلك لما كنا نعرف أن هذا الضوء إنما حصل بسببها ، بل ربما كنا نظن أن الأشياء مضيئة لذواتها إلا أنها لما كانت بحيث تغرب ثم ترى أنها متى غربت أبطلت الأنوار وزالت الأضواء عن هذا العالم ، علمنا حينئذ أن هذه الأضواء من الشمس ، فههنا لو أمكن انقطاع وجود اللَّه عن هذه الممكنات لظهر حينئذ أن وجود هذه الممكنات من وجود اللَّه تعالى ، لكنه لما دام ذلك الجود ولم ينقطع صار دوامه وكماله سببا لوقوع الشبهة ، حتى إنه ربما يظن أن نور الوجود ليس منه بل وجود كل شيء له من ذاته ، فظهر أن هذا الاستتار إنما وقع من كمال وجوده ، ومن دوام جوده ، فسبحان من اختفى عن العقول لشدة ظهوره ، واحتجب عنها بكمال نوره . الوجه الثاني : أن ماهيته غير معقولة للبشر البتة ، ويدل عليه أن الإنسان لا يتصور ماهية الشيء إلا إذا أدركه من نفسه على سبيل الوجدان كالألم واللذة وغيرهما أو أدركه بحسه كالألوان والطعوم وسائر المحسوسات ، فأما ما لا يكون كذلك فيتعذر على الإنسان أن يتصور ماهيته البتة ، وهويته المخصوصة جل